ابن بسام

393

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

لما تغلب آل عبيد اللّه الناجمين بإفريقية على مصر ، فخلص له صميمها ، وأهاب له ملكها ونعيمها ، وأراد معد بن إسماعيل بن عبيد اللّه ، المتلقب من الألقاب السلطانية بالمعز لدين اللّه ، اقتعاد صهوتها ، وإثبات قدمه على ذروتها ، دعا زيري بن مناد ، وهو يومئذ من صنهاجة بمكان السنام من الغارب ، وبمنزلة الوجدان من نفس الطّالب ، وكان له عشرة من الولد : آساد شرى ، وأقمار سرى ، فقال له : ادع لي بنيك ، فقد علمت رأيي فيهم وفيك ، وكان أصغرهم سنا ، وأهونهم عليه شأنا ، بلقّين بن زيري . فدعا ولده ما عداه ، والقدر لا يريد سواه ، وكانت من المعزّ - زعموا - إثارة من علم الحدثان قد عرف بها مصاير أحواله ، وأهل الغناء من أعيان رجاله ، وكانت عنده لخليفته على إفريقية إذا صار إليه ملك مصر علامة يأنس بها أنس الكبير بذكر شبابه ، ويعرفها عرفان العاشق لديار أحبابه ، فنظر في وجوه بني زيري فأنكرها ، حين تفقّد تلك العلامة فلم يرها ، فقال لزيري : هل غادرت من بنيك أحدا ، فلست أرى لمن هاهنا منهم أيدا ولا يدا ، فقال له : إلا غلام ، وطفق يصغّر شأنه ، والمقدار قد عناه وأعانه ، ويطوي أخباره والأخبار تدور عليه ، فقال المعزّ : لا أراك حتى أراه ، فلست أريد سواه ، فلما رآه عرفه ، وفوّض إليه من حينه واستخلفه ، فاستولى من وقته على الأمور ، وزاحمت مهابته الأهواء في الصدور ، وبعدت أسفاره واشتهرت أيامه ، واشتمل على طرف الأيام والليالي نقضه وإبرامه ، بلغ بغزواته سبتة - في خبر طويل ليس من شرط ما ألّفت ، ولا في معنى ما صنفت - ثم أجاب صوت مناديه ، وخلعها على أعطاف بنيه ، حتى انتهت منهم إلى المعزّ بن باديس ، منزف العشيرة ، وآخر ملوكها المشهورة ، فأول ما افتتح به شأنه ، وثبت به - زعم - سلطانه ، قتل الرافضة ومراسلة أمير المؤمنين ببغداد ، / فبعث إليه بعهده ، وجاءت الخلعة واللقب من عنده ، رأيا اغترّ ببادية ، وذهل عن عواقبه وبواديه ، واتصلت بالعبيدي وأمره يومئذ يدور على الجرجرائي ، فاضطغنها عليه ، وفوّق سهام مكروهه إليه ؛ وكانت بطون من عامر بن صعصعة : زغبة وعديّ والأثبج ورياح وغيرهم من ألفاف عامر ، تنزل الصعيد ، لا يسمح لها بالرحيل ، ولا يخلّى بينها وبين إجازة النيل ، فأراهم الجرجرائي لحينه ضجّة السوق ، وأفرج عن لقم الطريق ، وأذن لهم في المعز ، أمنية طالما تحلبت [ 178 ] إليها أطماعهم ، وعكفت عليها أبصارهم وأسماعهم ، فغشاه منهم سيل العرم ، ورماه بذؤلول ابنة الرّقم ، وتهاون المعزّ بهم أوّلا فشغلهم بخدمته ، وحمّلهم أعباء نعمته ، وهم في خلال ذلك يتمرّسون بجهاته ، ويدبّون إلى أنصاره وحماته ، ويطلون على مقاتله وعوراته ، حتى بان